أحمد بن يحيى العمري
130
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فسكت ، ثم ذهب ، ورجع عن قريب ، ثم قال : كان عندي أربعة دوانيق ، فاستحييت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر ، فأخرجتها . . . ! . ثم قعد وتكلم في الفقر « 1 » . وقيل له : ما معنى الصوفي ؟ . فقال : " ليس نعرفه في شرط العلم ، ولكن نعرف فقيرا مجردا من الأسباب ، كان مع الله تعالى بلا مكان ، ولا يمنعه العلم من علم كل مكان ، يسمى صوفيا " « 2 » وقال : اشتهت والدتي على والدي يوما سمكة ، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه ، فاشترى سمكة ووقف ينظر من يحملها ؟ . فرأى صبيا واقفا حذاءه ، فقال : يا عم ! . . . تريد من يحملها ؟ . قال : نعم . فحملها ومشى معنا ، فسمعنا الأذان . فقال الصبي : أذّن المؤذن ، وأحتاج أن أتوضأ وأصلي . فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة ! ؛ ووضعها الصبي ومضى . فقال أبي : نحن أولى من أن نتوكل بالسمكة . فدخلنا المسجد وصلينا جميعا ، وخرجنا من المسجد . وإذا السمكة موضوعة على حالها ، فحملها ، ومضى معنا إلى دارنا . فذكر والدي ذاك لوالدتي ، فقالت : يقيم عندنا حتى يأكل معنا . فقلنا له . فقال : إني صائم . قلنا : فتعود إلينا بالعشي ؟ . فقال : إذا حملت في اليوم مرة ، فلا أحمل ثانيا . فأدخل المسجد إلى المساء ، ثم أدخل عليكم بالعشي . فلما أمسينا دخل الصبي علينا فأكلنا ، فلما فرغنا ، دللناه على موضع الطهارة ، ورأيناه يؤثر الخلوة ، فتركناه في بيت . وكان لقريب لنا ابنة زمنة ، فلما كان في بعض الليل ، وإذا بها قد جاءت تمشي ! . فسألناها عن حالها ؟ . فقالت : قلت : " يا رب ! بحرمة ضيفنا إلا ما عافيتني . . . فقمت ! " . قال : فمضينا نطلب الصبي ؛ فإذا الأبواب مغلقة كما كانت ، ولم نجده . فقال أبي : منهم كبير وصغير . « 3 » وقال : دخلت المدينة ، وبي فاقة ، فتقدّمت إلى القبر ، وقلت : " ضيفك يا رسول الله ! ،
--> ( 1 ) : طبقات الأولياء لابن الملقّن 82 / 4 . ( 2 ) : انظر : تاريخ دمشق لابن عساكر 1 / 322 . ( 3 ) : يقصد رضي الله عنه " منهم " أي : من الأولياء والعارفين رضي الله عنهم .